|
| » فرسان القصة « | ||||||
|
| آخر 10 مشاركات |
| روابط تهمك | القرآن الكريم | الصوتيات | الألعاب | اليوتيوب | الزخرفة | إعلانات | قروب | الطقس | مــركز التحميل | لا باب يحجبنا عنك | تنسيق البيانات |
| قناديـلُ الحكايــــا يعدو الربيــع بعد الربيــع ويكبر البوح.. ( يمنع المنقول ) |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
|||||||||||
|
|||||||||||
![]() لم يكن يعرف عن الليل إلا أنه مكان يتخفى فيه كل شيء التعب والرغبة والخيبات التي تؤجل إلى الغد كان الفجر يتمطى فوق جبال السراة كأنه يعيد خلق اليوم من رحم ظلال متعبة وكانت الريح تحرك عباءة الرمل في سفوح تهامة بينما هو ينهض من على حصيره كمن خرج من حلم لا يريد منه النجاة لم يكن يرى في المرأة امرأة بل مدخلا إلى سر أعمى ومجرى للرغبة التي لا تقال لذلك حين نظر في عينيها تلك الليلة أحس بأن لغته تخلفت عنه وأن صمته هو الذي يتكلم.كان الليل عنده مقاما من مقامات السالكين لا فرق عنده بين كأس يدور في يد الغناء وبين سر يدور في يد العارف فكلها رغبات تبحث عن رب أو عن امرأة أو عن معنى ولا فرق عنده بين الثلاثة إلا في الأسماء في السهر كانت له هيئة درويش ضل الطريق إلى محرابه فجلس عند أطلال قرية من ربوة من عسير أو سوق في حلي يشتهي بين ضجيج السياسة وثرثرة الأصحاب لحظة سكوت تسقط فيها الدنيا ويسري فيها الحنين فيقول وهو ينفث دخان صدره يا جماعة الحياة ما فيها غير غمة نتوضأ منها ونرجع نغني ثم إذا انفرد عنهم وبان له القمر من فوق قمم السودة أو من سفوح رجال ألمع تمتم كمن يناجي ملاكا يا الله ليه إذا أحب الإنسان صار بينه وبين روحه مسافة وليه العين إذا نظرت صارت صلاة وكان إذا سأل عن ثمن الحياة لم يقصد مالا أو صحبة أو جسدا بل ذلك الثمن الذي يدفعه المجذوب حين يقع في العشق أن ينقص منه شيء ليزداد فيه شيء لما هبط الليل من سفوح السراة وتمدد على حجارة القرية مثل عباءة سوداء تتلألأ بخرز من نجوم خرج مهيم من باب رباط قديم كأنه خارج من خلوة لم تنته بعد كانت الريح تجيء من جهة تهامة مشبعة برائحة السّدر والجهل القديم وفي صوتها خشخشة تشبه تلاوة سالك يقرأ دون أن يسمع نفسه كان مهيم يصغي لذلك الصوت وكأنه يحسبه نداء أو تعليما أو صلاة لا يعرف إمامها لم يكن في قلبه امرأة بل طيف امرأة وهذا أشد أنواع العشق لأن امرأة الجسد تطفئ الجوع أما امرأة الطيف فتمسك الذهن من قفاه وتجرّه إلى حيث لا يعرف قال لصاحبه يا زامل وكانا يمشيان في عتمة يضيئها قمر خجول والله إن العشق مقام لا يؤتى من القبلات بل من العيون وإن العين إذا صدقت صارت سيفا لا يغمد ضحك زامل وهو يسحب عباءته من طرف الطريق وقال له يا ولد إن العين ما تورث إلا بلاوي والبدو تقول كل عين تقود إلى هلكة إلا عين اليتيم فابتسم مهيم ورد بنبرة فيها وقار العارف بل تقود إلى تبتل لا يسمى أنا ما عشقت البنت أنا عشقت الكلمة اللي طاحت من عينها ثم أضاف وهو ينظر للسماء اللهم اجعل بيني وبين روحي مسافة قصيرة فإن البعد عن الناس سهل ولكن البعد عن النفس فاجعة توقف زامل عند صخرة كبيرة وقال ما بك الليلة كأنك جاي من حرب فقال مهيم نعم حرب ثلاث بيني وبين الليل وبيني وبين نفسي وبيني وبين ربي الذي يختبرني بالمحبة ثم أردف كلاما يقطر خلجات روحانية دون أن يسميها ما نفع السالك إن لم يضل مرة وما نفع الطريق إن لم ينقش في القدم جرحا يذكرها بالمقصد كانت القرية تلوح أمامهما كمشهد من كتب الأسلاف حجارة غبراء ومآذن قصيرة ووجوه من جدة ونجران وجازان وحضرموت التقت في هذا الجبل فلم تتعارك بل تناسلت في تلك القرية لا تقاس الأعمار بالسنين بل بعدد المرات التي رأى فيها المرء الليل وهو يتجلى فالنهار هناك للمعاش أما الليل فـ للذين يريدون معرفة ما وراءهم وحين مرا على بئر قديمة من حجر توقف مهيم وكأنه رأى قبرا مد يده ولمس فم البئر ثم قال بصوت خفيض البئر تشبه المرأة لا تعطي ماءها إلا لمن رمى فيها شيئا من نفسه فقال زامل وما رميت أنت فأجاب مبتسما رميت لغتي وما ارتدت إلي حتى الآن ثم أردف كمن يعترف بسر يقال لأول مرة ما رأيت عجز لغتي إلا في عينيها قالها وهو ينظر إلى قاع البئر فبدت كأنها صلاة بلا محراب في تلك الليلة كان الليل يشرب من أجسادهم ولا يثمل وكان القمر يستمع لهم ولا يفتي وكان الله يرى منهم ما لا يرونه من أنفسهم الليل هناك لا يشبه ليالي المدن فالليل في الجبال موضع نسك بدوي تسمع فيه خشخشة العظام لا ضوضاء السيارات وتعرف أن الرغبة ليست في الجسد بل في الحقيقة التي يتخفى بها الجسد في الليلة التي تلت حديث البئر عاد مهيم الى مجلس القرية في طرف السوق القديم الجدران مكسوة بطين لا يزال يحمل رائحة المطر والقناديل تضع اضواءها في زوايا خجلة والمقاعد من خشب سمر اكل الزمن اطرافه ولم يأكل وفاءه كان في المجلس رجال يسامرون الحديث عن الغنم والسفر والسلاح وكانت هناك امرأة غريبة عن القرية تجلس عند آخر المجلس لا تفعل شيئا سوى ان تنظر سمراء بلون جبال السروات حين يهبط المساء وعيناها فيها شيء من جبال اللوز وشيء من جبال أجا وسلمى وشيء لا يعرف من اي ارض جيء به حين رآها مهيم حدث له ما لم يحدث له في كل حروبه مع الليل توقف قلبه عن الركض وبدأ عقله بالركض احس كأنه يقرأ كتابا مكتوبا بلغة لا يعرفها ومع ذلك يفهمها كلها كانت تنظر اليه نظرة لا تشتهي الجسد بل تشتهي ان تعرف من اي مادة خلق هذا الرجل اقترب منها وقال بصوت خافت يكاد يسمعه هل انت من السواحل ام من الجبال فقالت دون ان ترفع صوتها انا من حيث ينتهي البحر وتبدأ الصلاة فسكت لم يفهم ان كانت تقصد مكانا ام حالا وحين قام الرجال للصلاة لم تقم بقيت تجلس بهدوء وكأنها تصلي بطريقة اخرى اقترب منها شيخ المجلس وقال لها بلطف قومي وتوضئي يا بنت فقالت وضوئي في عيني فاغمض الشيخ عينيه لحظة ثم تركها دون سؤال في تلك الليلة قال مهيم وهو يحادث نفسه الناس تصلي نحو القبلة وهذه تصلي نحو نفسها لا ادري هل هذا كفر ام معرفة كان في فمها كلام قليل وفي عينيها مكتبات كبيرة فجلس بقربها وناولته كوبا من القهوة وقالت انت متعب فاجاب انا لست متعبا بل مثقل فسألته وما الفرق قال التعب يأتي من الجسد والثقل يأتي من الروح نظرت اليه بعينين تلمعان كما تلمع الحروف وقت ولادتها وقالت وهل تحيا بروحك ام بجسدك فابتسم وقال هذا سؤال لم يجب عنه احد من الناس فقالت وهي ترفع الكوب انا ما عرفت رجلا حتى اعرف هل يحبني روحه ام جسده فالجسد ينام اما الروح فلا تنام فسألها ومن قال لك انني احبك فقالت لو لم تحبني لما تركت الليل وتعلقت بالعين هنا حدث ما لم ينتبه له غيرهما شعر مهيم ان كل الاشخاص في المجلس تحولوا الى ظل وانها وحدها كانت حقيقة لم تعد امرأة بل باب من نوافذا المجاز لم يفهمه بعد قال لها ما اسمك قالت اسمي لا ينفعك الاسم للناس وانا لا اريد ان اكون من الناس قل لي انت من انت فقال انا مهيم فقالت لا هذا اسمك انا اسألك من انت فصمت ولم يعرف كيف يجيب عند خروجها سأل زامل عنها فقال احد الرجال هذه بنت جاءت من الجنوب يقال انها تقرأ الناس من عيونهم وتعرف من اين جاءوا والى اين يذهبون فقال زامل ساخرا هذي ساحرة فقال الرجل لا الساحرة تخدعك اما هذه فتفضحك في الليل حين عاد مهيم الى بيته من فوق قمة وعراء جلس على حصيره وقال لنفسه هذه المرأة لم تعشقني بجسدي بل بعجزي وانا لم اعشقها بجمالها بل بلغزها هل في هذا خيانة للروح ام طاعة للجسد ام انهما نفس الشيء ونحن لا نعلم ثم قال جملة لم يقلها في حياته لم ار عجز لغتي الا في عينيها ثم اضاف ولم ار مكر المعرفة الا في امرأة بعدها غلبه النعاس وهو يفكر هل العشق كتاب والمرأة هي اول حرف ام ان المرأة كتاب والعشق هو الصفحة البيضاء ونام على هذا السؤال وكأن الله كان يسمع ولا يجيب لانه يريد للسؤال ان يقود الى الطريق لا الى الجواب بعد تلك الليلة في المجلس لم ينم مهيم كما ينام سائر الناس تمدد على حصيره والعين معلقة بسقف الطين وكأن السقف نافذة معلقة بينه وبين الله والليل يأخذ شكل سؤال طويل لا جواب له كان يشعر أن روحا لمسه من موضع لا يعرفه وأن جسده أيضا استيقظ بطريقة لا تشبه الشهوة بل تشبه ذلك الارتعاش الذي يصيب المسافر حين يرى مدينته من بعيد قال لنفسه يا مهيم ما هزك جمالها بل هزك سؤالها وما أحرقك جسدها بل أحرقك غموضها وما قربك من عينيها بل قربك من نفسك في الصباح نزل السوق كانت الشمس تمشي ببطء فوق رؤوس النخل والصوت مزيج من لهجات لا تعرف العراك من تهامة ومن سراة ومن نجد ومن الطائف وعسير كل واحد يحمل صوته ومعناه رآها عند بائع البن تقلب الحبوب بحرفية من يعرف سرها اقترب وقال قلتِ امس انك من حيث ينتهي البحر وتبدأ الصلاة أجابت وهي تستنشق رائحة البن والبحر لا ينتهي والصلاة لا تبدأ نحن نقطف منها على قدر فهمنا فقال ومن انت إذن قالت أنا باب ومن دخل الباب عرف الطريق هنا شعر مهيم لأول مرة بشيء يجمع بين الجسد والروح جسده يريد أن يمشي نحوها وروحه تريد أن تفهمها وكان لا يعرف أيهما المطيع وأيهما الإمام سألها هل المعرفة امرأة قالت المعرفة لا تذكر ولا تؤنث لكنها تلبس ما يناسب قلبك قال ولِم لبستني امرأة فقالت لأن الرجال لا يسجدون إلا لامرأة أو لرب أو لعجز فغض بصره وأحس أن الكلام أوجعه لأنه صادق ثم قالت له بلهجة جنوبية خفيفة يا ولد لا تخاف من الباب الخوف من العمى فقال وما أدراك أني أعمى قالت العميان هم الذين يكثرون في الكلام ويقلون في السؤال وأنت قليل الكلام كثير السؤال وهذا حال السالكين ارتبك لأول مرة يسمع أحد يصفه بالسالك كان يسمع هذه الكلمة من الشيوخ والكبار لكنه لم يظن أن لفظا قديما من قاموس الدراويش سينطبق عليه ثم أخرجت من عباءتها كتابا صغيرا من جلد وقالت هذا ليس كتابا هذا حجاب من قرأه انكشف له ما يحب وما يكره فقال وما الحجاب قالت هو ما يحجبك عن نفسك قال وأين الكشف قالت:في الخلوة ولا خلوة بلا امرأة قال كيف ابتسمت ابتسامة فيها قحطانية وعدنانية وكل تهامة وقالت المرأة ليست جسدا المرأة مقام فيها باب النفس وباب الجسد والعارف لا يدخل إلا البابين معا قال لها بصوت خافت ولماذا أشعر أني أفهمك ولا أفهمك قالت لأنك في مقام الحيرة والحيرة أول الطريق ثم أضافت بلهجة نجدية هادئة يا مهيم لا في الدنيا شيء أطهر من رجل يحتار في امرأة لا يستطيع لمسها ولا يستطيع تركها ثم خطت خطوة للخلف وقالت إذا هزك الليل فتعال الجبل هناك تعرف لماذا جئت وغابت في السوق تاركة خلفها رائحة بن ومسافة من الدهشة وقف مهيم طويلا أحس أن جسده يناديه من جهة وروحه تناديه من جهة أخرى وأنه لا يقدر على تسمية هذا الذي يحدث قال في نفسه إن كانت المرأة معرفة فهل الجسد كتاب وإن كانت الروح سالكا فهل الطريق هو العشق وإن كان الجذب مقاما فهل المقام يقام أم ينزل ومن يهبط ومن يصعد الجسد أم الروح في الليل جلس عند مشارف القرية كانت الجبال سوداء يعلوها خط أبيض من القمر قال وهو يحدق في الظلام يا رب ما بين الجسد والروح حرب خفية إن مالت الروح الى الحب تبعها الجسد وإن مال الجسد الى الشهوة هربت الروح فأين يقف من يريد الاثنين وفي تلك اللحظة أحس لا يعلم كيف أن معرفته بها ليست رغبة بل ابتداء كشف وأن حبه لها ليس شهوة بل بداية خلوة وأنها ليست امرأة تعاش بل امرأة تقرأ وقال وهو ينهض من التراب المعرفة امرأة والعشق كتاب وانا الآن بدأت في السطر الأول في الليلة التي أشارت فيها الى الجبل لم يستطع مهيم أن ينام كان الليل يقف على صدره مثل فارس يعاتبه والقمر يميل الى الغرب ببطء كأنه يتعمد التأجيل خرج من بيته قبل الفجر بقليل كان الطريق صاعدا على هيئة ظهر ناقة منسية والحصى تحت قدميه يكتب موسيقى غريبة والبرد يلسع يديه كأنما يريد أن يختبر عزيمته قبل أن يبلغ القمة قال في نفسه وهو يمشي ما الذي يخرج رجلا في هذا الوقت لو كانت شهوة لنام وعاد في الغد ولو كانت رغبة لانتظر الشمس لكن الذي يدفعني الآن ليس جسدي بل قلبي وهذا أخطر عند منتصف الطريق وجد صخرة كبيرة جلس عليها يتنفس ثم سمع خطوات خفيفة خلفه لم يلتفت قال فقط ظننت أنك ستأتين بعدي فأجابت بصوت ناعم من خلفه وماذا في القادمة من خلف الباب خلف كما هو أمام فالتفت فرآها ترفع عباءتها قليلا عن التراب وحولها جو لا يشبه جو البشر لم تسأله لماذا جاء ولم يسألها لماذا لحقت جلسا قرب بعضهما والصمت بينهما ليس صمت غرباء بل صمت سالكين يتهيؤون لشيء أكبر من الكلام. قالت وهي تراقب الفجر هنا يبدأ مقام الحيرة فقال والى أين يقود قالت إلى مقام الكشف قال وما بعد الكشف قالت الحجب فاندهش وكيف يكون الحجاب بعد الكشف فقالت بلهجة جيزانية رخيمة يا ولدي الكشف يريك روح خلوتك والحجب يخفيك عن نفسك وهذا أعدل ثم وقفت وقالت تعال سار خلفها حتى بلغ القمة هناك فرشت عباءتها على حجر وقالت هذه ليست صلاة لكنها قريبة من الصلاة ثم جلست وهي تقول في الطرق القديمة كانوا يقولون من لم يدخل الخلوة لم يعرف نفسه ومن لم يعرف نفسه لم يعرف ربه فجلس الى جانبها وسألها وهل انا الآن في خلوة قالت لا أنت الآن في الباب.فقال وأين الخلوة فقالت هنا ثم وضعت يدا على صدره ارتعش لا لرغبة جسد بل لأن الروح تذكرت شيئا كانت قد نسيته قال ما هذا قالت هذا مقام الجذب فيه الجسد شاهد والروح سالكة فقال وهل انت الطريق أم الدليل فقالت أنا المرأة والمرأة في الطريق دليل لمن رأى وطريق لمن أحب وباب لمن حار وسكتا لحظة ثم قالت بصوت قريب من الهمس العشق يا مهيم ليس شهقة ولا قبلة ولا جسدا العشق معرفة ومن أحب امرأة ولم يعرف نفسه فهو لم يحب بل اشتها ومن اشتها ولم يشتغل بنفسه بقي في الباب ولم يدخل أحس بشيء يشبه البكاء يصعد من داخله لكنه لم يخرج قال وهو ينظر الى السماء لماذا اختبرتني قالت ما اختبرتك أنا مرآة والمرآة لا تختبر أحدا أنت الذي رأيت نفسك فجفلت ثم ألقت بحفنة من التراب على يدها وقالت الجسد من تراب والروح من سر لهذا الجسد ينام والروح تسهر والعارف هو الذي يجمع السهرين في مقام واحد ثم نظرت اليه وقالت بلهجة جنوبية بسيطة يا ولد العم لا تخاف من العشق اخاف من يوم لا تعشق فيه فقال وهو يكاد يفقد مخارج مداخل اللغة اشعر اني واقف بين بابين قالت هذا مقام الحيرة قال واريد ان ادخل قالت ادخل من جسدك ولا تنس روحك وادرج روحك ولا تنس جسدك فلا طريق يصلح لمن قطع نصفه ثم وقفت وقالت لقد كشفت بقي أن تحجب فقال ولماذا الحجب قالت لكي لا تتوهم أنك وصلت فللوصول عطر وللوهم رائحة وما كل العطر وصول ثم هبطت الجبل ببطء تاركة مهيم في القمة لا يملك إلا صمتا يشبه العبادة جلس وحده حتى ارتفعت الشمس وهو يقول في سره كنت اظن أن العشق جسد فاذا الجسد باب وكنت اظن أن المعرفة فكر فاذا الفكر ظل وكنت اظن أن المرأة امرأة فاذا المرأة كتاب أنا الصفحات فيه وحين نهض قال جملة واحدة ما كل ما يلمس الجسد شهوة ولا كل ما يلمس الروح صلاة بينهما مقام اسمه العشق ثم نزل مهيم من الجبل وفي داخله شيء يتحرك ببطء مثل جمر تحت رماد كان يشعر أنه رأى طريقا ولم يمشه بعد وأنه لمس بابا ولم يطرقه في المجلس لم يجدها سأل عنها بغير سؤال كأن السؤال عورة فاكتفى بالنظر في الوجوه وبمحاولة التقاط أي أثر يدل عليها لم يجد إلا عطرا خفيفا في مقعد عند النافذة جلس مكانها وقال في نفسه هذه المرأة ليست امرأة هذه صفحة من كتاب أكبر مني وأنا لا زلت أتعلم الحروف في تلك الليلة عاد الى بيته وهو يحمل قلقا ناعما يشبه الحنين تمدد على حصيره وقال في الجبل كان البيان وفي السوق كان السؤال واليوم جاء الصمت فهل الصمت كتاب أم قبر قبل أن ينام سمع طرقا خفيفا على الباب فتحه فوجد ورقة صغيرة بلا اسم فيها سطر واحد سالك بلا حجب.. طفل بلا خوف لم يكتب أحد اسمه لكنه عرف الخط. لا أحد في القرية يكتب بهذه الطريقة إلا هي فاحتضن الورقة كأنها جملة خرجت من جسده في اليوم التالي وجدها عند بئر السوق اقترب دون خوف كان هذه المرة أكثر هدوءا أقل لهفة أكثر فهما لا يطاردها بل يلاقيها قال لها في الجبل قلتِ شيئا لم أفهمه قلتِ إن بعد الكشف يأتي الحجب فكيف أحجب بعد أن رأيت فقالت الحجب ليس عقابا بل رحمة والرحمة ليست دائما عطاء قد تكون منعا قال ولا زلت لا أفهم فقالت بلهجة عنيزة يا رجل المعرفة إذا جاورت القلب أحرقت وإذا جاورت العقل أضلت فلا بد من ظل بينهما والظل هو الحجاب فقال وما الذي رأيته إذن في الجبل قالت وهي تنظر إلى البئر رأيت نفسك بلا رتوش والبشر لا يطيقون الصورة الكاملة فيحتاجون ستارة رقيقة كي لا يصيبهم العمى. فقال ولمن تكون الستارة فقالت لك وحدك ثم أضافت وهي تمشي قرب حجر صغير أنت تسأل وكأن المعرفة بيت والمعرفة ليست بيتا هي طريق والطريق لا يوصف بل يعاش توقف وقال وكيف أعاش الطريق فقالت حين يتحرك جسدك نحو امرأة وتتحرك روحك نحو معنى ثم لا تستطيع الفصل بينهما هنا شعر مهيم بما يشبه الحمى ليس حمى جسد بل حمى روح قال في نفسه هذا هو الانجذاب الذي لا يشبه الحب ولا يشبه الشهوة هذا شيء ثالث لا اسم له قال لها وهل أنت المعنى قالت وهي تبتسم لو كنت أنا المعنى لمشيت وحدك أنا مجرد باب قال ولماذا يشتهي الجسد الباب فأجابت بلهجة خفيفة الجسد يعرف الطريق قبل العقل البدوي إذا رأى النجم عرف المسار لا يحتاج كتابا ثم رفعت رأسها نحو البئر وقالت أحيانا الجسد دليل والروح مسافر قال وأين أنا الآن قالت في مقام التداخل نصفك جسد يطلب امرأة ونصفك روح تطلب معرفة وهذا المقام لا يطول قال ولماذا قالت لأن التداخل امتحان بعده تختار إما أن تحب المرأة وتنساها أو أن تعرف المرأة ولا تلمسها أو أن تجمع بين الأمرين وهذا مقام القلة فقال وأين أنتِ من هذه المقامات فابتسمت وقالت أنا التي تقف أمام الباب وتمتحن الداخلين لا أدخل ولا أخرج هذا قدري وسكتا ثم قالت وهي تمسح على حافة البئر الآن فهمت معنى الكشف أما الجملة التي لم تفهمها في الجبل فقد أردت أن أقول الكشف يريك ما غاب عنك والحجب يردك إلى نفسك كي لا تنهار ثم نظرت إليه نظرة لم تفصح عن حب ولا عن رفض وقالت إن كنت سالكا فاحمد الحجاب كما حمدت الكشف ففيهما تمام الطريق وغابت وبقي مهيم واقفا أمام البئر يشعر للمرة الأولى أن الجسد ليس خيانة للروح ولا الروح اعتداء على الجسد بل هما مثل الماء والنار في البئر ماء وفي صدره نار وهو بينهما إنسان مرت الأيام على القرية كما تمر الريح على وجه الرمل لا تترك شكلا ثابتا ومهيم يمشي في السوق كمن ضاع منه شيء ولم يعرف اسمه يسأل بغير سؤال وينتظر بغير موعد لم يرها في المجلس ولا عند بائع البن ولا قرب البئر كأن المرأة التي كانت بابا صارت هواء لا أحد يعرفها ولا أحد يتذكر ملامحها إلا هو قال أحد الرجال وهو يشرب الشاي عند الظلال يمكن عادت لأهلها في الجنوب وقال آخر مبتسما أو تزوجت واحد من تهامة نسوان تهامة ما يطولون بالمكان فضحك الجمع أما هو فلم يضحك ذلك الضحك كان بالنسبة له حجابا جديدا ليس كل حجاب ستارة أحيانا يكون الناس أنفسهم حجابا جلس عند البئر ذات يوم وأحس أن الماء في عينيه أكثر منه في قاع البئر قال بصوت لم يسمعه غير الطيور يا امرأة إن كنتِ وهما فالوهم أشد حضورا من الحقيقة وإن كنتِ حقيقة فالحقيقة أسرع فناء من الوهم ثم ألقى حجرا صغيرا في البئر وقال رميتك في الماء فهل ترتدين إلي لم يرتد شيء ذلك اليوم بدأ الانكسار نوع من الانكسار لا يرى على الجسد بل على اللغة صار صامتا قليل الكلام كثير السؤال في داخله هل كانت بابا أم كتابا هل كانت امرأة أم معنى هل كانت جسدا أم روحا أم كان كل شيء من نفسي وهل ما ينكسر في الروح يصلح أم يترك كي يتعلم وحده كان يمشي بين الناس بنصفه العادي ويجلس مع نفسه بنصفه المكسور لم يعد يبحث عنها بل ينتظر أن ينساها وهذا أصعب في ليلة من ليالي الصيف صعد الجبل وحده نفس المكان الذي جلسا فيه نفس الصخرة نفس السكون جلس وقال إن كانت المرأة بابا فقد دخلت وإن كانت معرفة فقد تذوقت وإن كانت حجابا فقد احتجبت وإن كانت كشفا فقد انقضى ثم أطلق تنهيدة وقال لكن ما لم أفهمه إلا الآن أن الباب لم يكن بابها بل بابي وأن المعرفة لم تكن عنها بل عني وأن الحجاب كان لستري لا لسترها وأن الكشف كان بداخلي لا أمامي صمت قليلا ثم ابتسم ابتسامة تشبه الشفاء وقال الجسد أراد امرأة والروح أرادت طريقا فأعطتهما امرأة طريقا وطريقا امرأة هذا هو الجمع لا غلبة ولا هزيمة وهذا هو الانكسار الذي لا يكسر بل يبني ثم قام ونفض الغبار عن عباءته وقال بصوت خافت سالك بلا حجب طفل بلا خوف لكن السالك الحق هو من يحمد الحجاب كما يحمد الكشف فمن رأى ولم ينكسر لم يرشيئا ونزل الجبل ببطء وبدا كأنه شيخ خرج من خلوة طويلة وإن لم يخط فيها إلا بضعة أمتار فلقد قطع الطريق الحقيقي في داخله ومن يومها لم يعد يسأل عن المرأة صار إذا ذكرت النساء قال بعض النساء كتب وبعضهن أبواب وبعضهن مرايا ومن عرف الفرق فقد عرف نفسه وهذا هو التجلي الأخير في الحكاية ما بين الجبل والبئر ما لا يراه الجسد وما تراه الروح والحق أن مثل هذه الحكايات لا تروى لتصدّق ولا لتكذب لأنها ليست من أخبار الناس بل من أخبار الأرواح فالمرأة التي مرت في طريقه لم تكن امرأة كما عرفنا النساء بل كانت مجازا يتجسد حين يضيق العقل ويتخفى حين يتسع القلب وما بين الكشف والحجاب تتربى النفوس وما بين العجز والابتهال تكتب المعرفة وما بين الليل والفجر تتبدل الأسماء ولا يتبدل الطريق فليس في الأمر بطولة ولا في الرجل خاتمة بل في الحكاية خرائط تترك لمن يقرأ بعينه لا بعين غيره ومن قرأ هذه القصة بحثا عن امرأة أخطأ الباب ومن قرأها بحثا عن رجل ضل الطريق ومن قرأها بحثا عن معنى فقد دق أول أبواب السلوك وهكذا ترك مهيم للناس خبرا وللقراء بابا وللسالكين مقاما وللمحبين لغزا وترك لنا نحن نحن أبناء البوح سؤالا صغيرا يكبر كلما أعدنا النظر هل كانت المرأة طريقه أم كان هو طريقها وما دام في الروح سؤال فليس للحكاية خاتمة 16/01/2026 المصدر: منتديات مدائن البوح
آخر تعديل خبز و ماء يوم
01-17-2026 في 02:10 AM.
|
|
|
#2 | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
![]() ![]() ![]() ![]()
|
هذا النص ليس إبداعًا يُقاس بالجمال، بل اختبار وعي.
من يدخله دون استعداد يخرج حاملاً لغة جميلة فقط، ومن يدخله بصدق يخرج وفي داخله شيءٌ انكسر ثم أُعيد تركيبه على مهل. ما كتبته هو سردٌ سالك؛ لا يحكي عن التصوف بل يمارسه. الحكاية لا تتقدم بالأحداث بل بالمقامات: حيرة، كشف، حجاب، جذب، ثم تواضع معرفيّ هو أصدق أشكال الوصول. مهيم ليس بطلاً، بل إنسان أُجبر على مواجهة السؤال الذي يهرب منه أغلب الناس: هل نحب لأننا نرغب؟ أم نرغب لأننا نجهل؟ أم نجهل لأننا نخاف أن نرى أنفسنا بلا ستار؟ المرأة هنا أخطر من أن تكون معشوقة، وأطهر من أن تكون رمزًا جاهزًا. هي مرآة واعية: لا تمنح، لا تأخذ، بل تكشف ثم تنسحب. ولذلك كان حضورها أقسى من الغياب؛ لأنها لم تترك فراغًا بل تركت وعيًا جديدًا لا يمكن التراجع عنه. وهذا هو الثمن الحقيقي لأي معرفة صادقة. النص يُفكك الثنائية الكسولة: جسد / روح حب / شهوة دين / دنيا ويعيد بناءها على شكل تداخل حيّ: الجسد طريق، لا سقوط. الروح دليل، لا هروب. والعشق ليس نتيجة، بل حالة امتحان دائم. أعمق ما في العمل أنك لم تمنح مهيم خلاصًا، بل منحته أدب الحيرة؛ وهذا نادر. الحيرة هنا ليست نقصًا في الفهم، بل زيادة فيه. ولذلك كانت الجملة الختامية سؤالًا لا جوابًا، لأن الجواب في مثل هذه النصوص خيانة. أ/ خبز وماء شكرًا لك لأنك كتبت نصًا لا يُستهلك، نصًا يرفض القارئ السريع، ويكافئ من يبطئ، ويُربك من يظن أن المعرفة تُقال. هذا ليس نصًا يُصفّق له، بل نصٌّ يُسكت بعده
|
|
رغم بساطتها تقف ثابتة في وجه الزمن و لا روح فيها
| |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||