المقالة تحمل في أعماقها أزمة وجودية.
ومرارة متراكمة من خيبات متكررةٍ في الواقع العربي،
ويستحضر التاريخ ليحاكم به الحاضر،
ويستدعي الحاضر ليحاكم به التاريخ.
هي مقالة تراوح بين الاستعارة والواقع،
بين الحلم والانكسار، ب
ين الحنين والعتب،
بين جلد الذات وتمجيدها في آنٍ معًا.
أخي الكاتب صاحب القلم التمكن
أراك هنا تُشخص أزمة الهوية
وأزمة القيم وأزمة الفعل،
وتضع يدك على جرحٍ قديمٍ جديدٍ
جرح م يندمل برغم كل محاولات التناسي أو التجميل.
استحضارك لقصة يوسف عليه السلام،
وما تلاها من إسقاطات على واقعنا،
فيه دلالة على أن التاريخ ليس حكايا تُروى،
إنما هو مرآة نرى فيها عيوبنا وأحلامنا ومخاوفنا،
ونبحث فيها عن أجوبة لأسئلتنا المتكررة.
تساؤلاتك
عن سر افتتاننا بالآخر،
وعجزنا عن إبهاره بما لدينا،
ليست جديدة،
لكنها مع ذلك ما زالت تقض مضاجع
كل باحث عن نهضة أو يقظة.
هل هو عيب فينا أم في منظوماتنا؟
هل هو في جيناتنا أم في تربيتنا؟
أم هو في تلك الهوة الشاسعة
بين ما نقول وما نفعل؟
بين ما نملك من تراث
وما نعيشه من حاضر؟
ذكرت أن السخاء يغطي العيوب،
وربما في هذا بعض الحقيقة،
لكن السخاء وحده لا يبني حضارة
ولا يصنع نهضة.
الحضارات تُبنى بالفعل،
بالفكر، بالإبداع،
لا بمجرد الكلام أو العطاء العابر.
وهذا ما أشرت إليه حين قلت:
أننا "محقرون للعمل كسالى مفكرين"،
وكأننا نعيش في دائرة مغلقة
من التنظير دون التطبيق.
أما عن التشاؤم،
فهو في الحقيقة ليس عيبًا
إذا كان دافعًا للتغيير،
أما إذا تحول إلى قيد يكبل الإرادة
ويشل العزائم،
فهو الهلاك بعينه.
ولعل في قولك:
"سأدعكم تتفاءلون كما تشاءون"
هو اعتراف بأن التفاؤل
في واقعنا العربي المعاصر
أصبح سلعة نادرة.
وفي النهاية، حين قلت:
"أتفق العرب ألا يتفقوا"،
أظنك لا تعني أن الاختلاف قدر محتوم،
بل هو دعوة مبطنة للتفكر
في أسباب هذا التشرذم،
وفي سبل تجاوزه.
فالتاريخ يعلمنا أن الأمم
التي نهضت لم تنهض إلا حين
اجتمعت كلمتها على مشروع جامع،
وحين آمنت بقدرتها على التغيير.
باختصار أخي صاحب القلم البديع
مقالتك دعوة صريحة
لمراجعة الذات،
ومساءلة الواقع،
واستنهاض الهمم،
فالأمة التي لا تقرأ جراحها
لا تستطيع أن تكتب مستقبلها.
لعل في حروفك ما يوقظ الساكن،
ويبعث فينا بعض الأمل
بأن التغيير يبدأ من
كلمة، من فكرة، من وقفة صادقة مع النفس.
دمت كاتبًا متميزا للوجع والأمل معًا.
