إذا كان الخيال هو السلاح الوحيد في الحرب ضد الواقع حسب تعبير الكاتب لويس كارول مؤلف قصة أليس في بلاد العجائب، فإن ضرورته تزداد حين يتعلق الأمر بشخص يعاني من إعاقة جسدية، تحرمه من الاستمتاع بالحياة كالآخرين.
والقطار وما يحمله من معاني الانطلاق في الفضاء الحر المفتوح، والتنقل لاستكشاف آفاق متجددة، يدفع الابن لإثبات ذاته، عبر سباقه مع اللعبة متناسيا محدودية حركته على عكس أقرانه.
وهي حالة تؤدي ذكراها إلى وقوف الأم الممتد في الزمن والمكان، وحيرتها التي منشؤها شعور بالتخبط والإحباط، فكل أم تتمنى أن يصبح ابنها الأفضل، أو على الأقل صورة مماثلة للآخرين، أما الفشل في سباقه مع القطار فوجهة نظر قابلة للنقاش، لأم تحركها العاطفة، تتوقع وترجو أن يلعبولدها كالأطفال في مثل سنه، متغاضية عن وضعه الخاص، وتلك نتيجة منطقية لنمطية التفكير المجتمعية التي تحدد معايير الحكم على تصرفات الفرد، وتقيده بقيود معنوية، لا تعير بالا لخصوصيته واختلافه.
فالأم تطيل الوقوف وتبحث بجدية وإصرار عن لعبة لن تجدها في الواقع، لانها مرتبطة بعالم الخيال والأحلام.
والبائع يظهر الملل في مهنة ترتبط بالأطفال، ويفترض أن تجلب البهجة والحبور للعاملين بها، كما لو أن هذين الشخصين هما العاجزين المتكئين على عكازات الفشل، وتلك مفارقة تبعث على الدهشة تنضاف إلى الطلب الغريب للأم.
إن قطارا بلا قضبان تحد من اندفاعه وتحدد مساراته واتجاهاته، هو ما يحتاجه الابن ليشكل سرعته كي تتماهى مع حالته، ليتحدى ويتجاوز واقعا يحد من نشاطه وانطلاقه في الحياة، وهو قطار لا يتأتى إلا عبر الخيال الجانح والإبداع الجامح، ولا يأتي في العالم العادي مهما طال الانتظار كقطار نازك الملائكة في قصيدة "مر القطار":
وأنا هنا ما زلتُ أرقُبُ في انتظارْ
وأوَدُّ لو جاءَ القطارْ …
مهندسنا الرائع عدنا بقراءة متواضعة عل وعسى تروق لك
