عرض مشاركة واحدة
#1  
قديم 08-05-2023, 05:39 PM
الفيصل متواجد حالياً
Saudi Arabia    
SMS ~
Awards Showcase
لوني المفضل Cadetblue
 رقم العضوية : 55
 تاريخ التسجيل : Sep 2020
 فترة الأقامة : 1343 يوم
 أخر زيارة : اليوم (09:43 AM)
 المشاركات : 99,592 [ + ]
 التقييم : 456244
 معدل التقييم : الفيصل has a reputation beyond repute الفيصل has a reputation beyond repute الفيصل has a reputation beyond repute الفيصل has a reputation beyond repute الفيصل has a reputation beyond repute الفيصل has a reputation beyond repute الفيصل has a reputation beyond repute الفيصل has a reputation beyond repute الفيصل has a reputation beyond repute الفيصل has a reputation beyond repute الفيصل has a reputation beyond repute
بيانات اضافيه [ + ]


افتراضي المكان بوصفه ذاكرة



بسم الله الرحمن الرحيم
يتحول المكان من وجوده العيني ليصبح أثراً، وينتقل من كونه قيمةً جغرافية ليكون ذاكرةً تسكن في الوجود الذهني بعد أن غادرت الوجود العيني، ومن صيغ هذه الذاكرة أن يتحول المكان إلى لون، فالأفارقة في أميركا يعيشون في وطنين، أحدهما أميركا، ومكان الأفارقة في أميركا يعتمد القهرية، فهم قد جُلبوا إليه مخطوفين ومعزولين قسراً عن وطنهم الأصل، وهذا فصل قهري ظلت قهريته تتجدد عليهم في كل أطوار عيشهم في أميركا حتى بعد أن نالوا حريتهم وتخلصوا من العبودية، فإنهم لما يزالوا يعانون من قهريات متجددة تترجمها جملة «حياة السود مهمة»، والجملة تشير للون تحديداً، أي أن أفريقيا كأرضٍ وكبشرٍ تعيش مرسومةً على وجوههم وتشكل لوناً هو وطنهم، وهو هويتهم وأثر وطنهم الأم الذي يعلن عن وجوده الدائم عبر الوجوه وعبر خريطة البشرة التي تحاكي الخريطة الجغرافية، مما يجعل كل واحد منهم في وطنين، وطن عيني يعيشونه ويتكلمون لغته ويحملون جوازه، ووطن آخر مرسومٌ على وجوههم، وفي وطنهم العيني يعيشون تحت قوانين تقول بالمساواة، ولكن المساواة ستتقلص حين تلامس أثر الوطن الأم، وهنا يتعرض اللون لمفارقة حادة، فهو لون يحيل لذاكرة مكانية وثقافية أخرى، وهذا يحدث انفصالاً روحياً بين المكان الحالي والمكاني الذهني، ومعه هذا الفصل القهري، وستتعرض حياة السود للخطر، وحسبما نقلت جريدة «نيويورك تايمز» واصفة حياة السود في أميركا: «الشباب السود يشعرون كما لو أنهم موضع استهداف أكثر، وحماية أقل من جانب الشرطة وينظرون إلى عناصرها على أنهم مفترسون». وهذا ما فجر مظاهرات أميركا حين ذاك تحت شعار (حياة السود مهمة).
وبما أن الأفارقة في أميركا فقدوا الوطن الذاكرة دون خيار منهم، فهم ليسوا مهاجرين، كما هي حال المجاميع الأخرى في أميركا لأنهم مجلوبون للمكان قسراً، وهذا عدوان على روح المكان والإنسان، ولذا ظلت الروح قلقةً وظل اللون الأسود كتاباً مفتوحاً وإعلاناً متصلاً عن قلق المكان بين مكان مفقود ومكان آخر ماثلٍ يعاند اللون ويعده نشازاً.
ويجاري ذلك أن الأرض الأميركية نفسها قد فقدت ذاكرتها مع مواطنها الأصلي الذي أصبح مميزاً بلونٍ اصطلاحي يفرقه عن غيره فهو (الهندي الأحمر) الذي سيكون مثل الأفريقي الأسود، وهما معاً يمثلان ذاكرة مقهورة، والوطن والإنسان معهما هما أصلان مترابطان روحياً بعد أن فقد المكان جذوره، حيث احتله بشر بلون مختلف، أهم مفارقاته أنه يميز نفسه عبر لونه الأبيض، وهم القوم الذين انتهكوا ذاكرة المكان ولغته وضميره وصنعوا له لوناً جلبوه معهم ولغة جلبوها معهم، وهذا يفسر قلق الثقافة في أميركا وحالات العنف في بيئة ديمقراطية ثرية متقدمة تكنولوجياً وقويةٍ عسكرياً واقتصادياً، لكنها تبدو في داخلها ضعيفة وينتشر فيها القتل العشوائي بالسلاح في الشوارع والمدارس والأسواق وكأن المكان قد جن وفقد معناه.

عبدالله الغذامي,
للمزيد من مواضيعي

 

الموضوع الأصلي : المكان بوصفه ذاكرة     -||-     المصدر :     -||-     الكاتب : الفيصل





 توقيع : الفيصل


رد مع اقتباس
 
1 1 1 2 2 2 3 3 3 5 5 5 6 6 6 7 7 7 8 8 8 10 10 10 11 11 11 12 12 12 13 13 13 15 15 15 16 16 16 17 17 17 28 28 28 30 30 30 31 31 31 32 32 32 37 37 37 38 38 38 39 39 39 41 41 41 44 44 44 45 45 45 46 46 46 47 47 47