![]() |
قصة: النعامة التي تخاف الأصوات
في صحراء شاسعة، حيث لا ظلّ إلا لسرابٍ عابر، عاشت نعامةٌ لم يرها أحد.
لم تكن لأنها سريعة، ولا لأنها مختبئة جيدًا… بل لأنها أقنعت نفسها أن العالم كله يطاردها. كانت كلما هبّت الريح، ظنّت أنها همسات سخرية. وكلما مرّ طائرٌ في السماء، اعتقدت أنه يراقبها. فتدفن رأسها في الرمل، ليس خوفًا من الخطر… بل هربًا من فكرة أنها مكشوفة. قالت لنفسها: “هم يقذفونني… يشتمونني… يضحكون عليّ.” لكن الحقيقة كانت أبسط، وأقسى: لم يكن هناك أحد أصلًا. كانت الصحراء صامتة، والسماء بعيدة، والعالم مشغول بما هو أكبر من نعامةٍ تخاف ظلّها. في بعض الأيام، كانت ترفع رأسها قليلًا. ترى الفراغ، فتشعر براحةٍ مؤقتة. ثم تعود الأفكار، كعاصفةٍ داخل عقلها، فتدفنه من جديد. لم يكن مرضها في العالم… بل في الصوت الذي يسكنها. وفي يومٍ غريب، وقفت طويلًا دون أن تختبئ. لم تسمع شيئًا. لا شتيمة، لا ضحك، لا اتهام برغم ذلك عاشت هذه النعامة لا تستقرّ على حال. أحيانًا، كانت ترفع رأسها عاليًا نحو السماء، تشعر أنها أطول من كل الكائنات، وأن الريح خُلقت لتدفعها للأمام، وأن الأرض ضيّقة على خطواتها. كانت تركض بلا توقف، تضحك وحدها، وتحدّث نفسها عن إنجازات لم تحدث بعد، وكأن العالم ينتظرها لتبدأ. وفي تلك اللحظات، لم تكن ترى الخطر… ولا التعب… ولا الحقيقة. ثم، فجأة، يتغيّر كل شيء. تثقل رقبتها، وتصبح السماء بعيدة جدًا، كأنها أُغلقت. تبدأ الأصوات. همسات لا تُرى، اتهامات بلا مصدر، وظلال تمرّ دون أن يمرّ أحد. فتدفن رأسها في الرمل. ليس لأنها لا ترى… بل لأنها لم تعد تحتمل ما ترى في داخلها. في الأعلى، كانت تعتقد أن العالم لها. وفي الأسفل، كانت تظن أن العالم ضدها. بين السماء والرمل، عاشت النعامة عمرها تتأرجح، لا تثبت في نورٍ طويل، ولا تبقى في ظلمةٍ كاملة. وفي لحظةٍ نادرة، وقفت بين الحالتين، لا تركض، ولا تختبئ. شعرت بشيء غريب… هدوء لا يشبه الصعود، ولا يشبه السقوط. أظن انهافهمت ولو قليلًا أنها ليست السماء حين تعلو، ولا الرمل حين تختبئ. بل هي… ثنائي القطب الذي يعيشُ ما بينهما كتبته : فزاعة دوت كوم . |
رد: قصة: النعامة التي تخاف الأصوات
|
رد: قصة: النعامة التي تخاف الأصوات
أشكركِ على هذا النص
الذي يجمع بين عذوبة الوصف وقسوة الحقيقة نادراً ما نجد نصاً أدبياً ينجح في تبسيط "الصراع النفسي" دون أن يفقده هيبته أو ألمه لقد وفقتِ في تصوير ذلك "التأرجح" المرهق بين عظمة السماء وضيق الرمل ومنحتِ القارئ فرصة ليفهم أن المعركة ليست دائماً مع العالم الخارجي بل هي أحياناً مع الصوت الذي يسكننا لقد اخترتِ "النعامة" بذكاء شديد ذلك الكائن الذي يرتبط في الأذهان خطأً بالهرب لكنكِ أعدتِ صياغة الحكاية لتكون عن الاستجابة لا عن الجبن لحظات الارتفاع وصفتِ بدقة حالة الهوس أو حيث تضيق الأرض وتصبح النعامة أطول من الكائنات وهي لحظة نكران للواقع بدافع القوة المفرطة لحظات الانحدار جسدتِ حالة الاكتئاب حيث يثقل الرأس ويصبح الرمل ملجأً ليس من الأعداء، بل من النفس الخاتمة كانت نقطة التوازن التي وصلتها النعامة هي أجمل ما في النص الإدراك بأن الذات هي المركز الذي يراقب هذه التقلبات وليست التقلبات نفسها كل التقدير والإعجاب بإبداعكِ :orig-(1): |
رد: قصة: النعامة التي تخاف الأصوات
الكاتبة القديرة وردة التوليب
نصٌّ يُدهش القارئ منذ عتبته الأولى، ويأخذه إلى صحراءٍ ليست من رملٍ فقط، بل من أسئلةٍ ثقيلةٍ تسكن الداخل. أبدعتِ يا وردة التوليب في بناء رمزيةٍ عميقة، جعلتِ من النعامة مرآةً شفافةً لحالات إنسانية متقلبة، تتأرجح بين وهم العظمة ووحشة الخوف. هذا النص ليس حكايةً عابرة، بل تأمّلٌ ناضج في صراع النفس مع ذاتها، حيث يتحوّل الصوت الداخلي إلى بطلٍ خفيّ يقود المشهد كله بمهارة. تدرّجكِ السلس بين الصعود والانكسار جاء مشبعًا بالإحساس، وكأن القارئ يعيش التذبذب لا يقرأه فقط. لغة مشحونة بالوعي، وصور تتسلل بهدوء لكنها تترك أثرًا عميقًا… نصّ يليق بكاتبة تعرف كيف تُمسك بالخيط الدقيق بين الفكرة والشعور، وتنسج منه عمقًا يُقرأ بالقلب قبل العين عابرة مرت من هنا ..!! |
رد: قصة: النعامة التي تخاف الأصوات
النعامة التي تخاف الأصوات
لم تكن تخاف العالم بل تخاف ما في داخلها همسات لا مصدر لها اتهامات بلا سبب وظلال تمر من غير أحد بين السماء والرمل عمرها يتأرجح لا هي في النور تثبت ولا في الظلمة تبقى ثم وقفت لا تركض ولا تختبئ فأدركت أنها ليست السماء حين تعلو ولا الرمل حين تختبئ بل هي ما بينهما وهذا هو الموجع الأكبر نص صغير يحمل مرايا كثيرة فيه كل من يخاف من شيء لا يرى |
رد: قصة: النعامة التي تخاف الأصوات
الكاتبة الكبيرة وردة التوليب
قصتك عميقة ومؤثرة جدا، تلمس بصدق فكرة الصراع الداخلي وكيف يمكن للصوت داخلنا ان يشكل ادراكنا للعالم من حولنا. اعجبتني طريقة تحويل الحالة النفسية الى صورة سردية رمزية واضحة وبسيطة في الوقت نفسه. شكرا لك على هذا النص الجميل الذي يفتح بابا للتأمل ويترك اثرا هادئا وعميقا في النفس |
رد: قصة: النعامة التي تخاف الأصوات
قِصَّتُكِ عَمِيقَةٌ وَمُثِيرَةٌ لِلْتَّأَمُّلِ، تَكْشِفُ بِحِسٍّ رَقِيقٍ كَيْفَ يَصْنَعُ الذِّهْنُ وَهْمَ الخَوْفِ أَحْيَانًا، وَكَيْفَ يَتَأَرْجَحُ الإِحْسَاسُ بَيْنَ الِانْفِتَاحِ عَلَى الحَيَاةِ وَالانْغِلاقِ عَلَى الذَّاتِ.
أَجْمَلُ مَا فِيهَا هُوَ تَجْسِيدُ التَّنَاقُضِ الدَّاخِلِيِّ بِصُورَةٍ سَرْدِيَّةٍ بَسِيطَةٍ وَمُؤَثِّرَةٍ، حَيْثُ تَغْدُو النَّعَامَةُ مِرْآةً لِصَوت دَاخِلِيٍّ يَتَغَيَّرُ بَدَلَ أَنْ يَكُونَ العَالَمُ هُوَ المُتَغَيِّرَ. شُكْرًا لَكِ عَلَى هَذِهِ القِصَّةِ الَّتِي تَحْمِلُ فِكْرَةً وَإِحْسَاسًا فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَتَتْرُكُ فِي القَارِئِ أَثَرًا هَادِئًا وَعَمِيقًا فِي نَفْسِ الوَقْتِ 12 _2026 _ April — رَشَّةُ عِطْر |
| الساعة الآن 10:39 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions Inc.
المنتدى حاصل على تصريح مدى الحياه
دعم وتطوير الكثيري نت